تزامنت موجة العبور الجماعي الأخيرة للمهاجرين إلى مدينة سبتة المحتلة مع حملة واسعة من التضليل الإعلامي والمحتوى المضلل الذي استهدف المغرب، شارك فيها سياسيون من اليمين المتطرف الإسباني، وانفصاليو جبهة البوليساريو، وأصوات إعلامية جزائرية، إلى جانب حسابات مرتبطة بروسيا وشخصيات إعلامية معروفة بمواقفها المناهضة للمغرب.
وكشفت عمليات تحقق أجرتها منصات إسبانية وتحقيقات دولية عن انتشار عشرات المواد المفبركة أو الخارجة عن سياقها، في محاولة لتقديم أحداث مرتبطة بالهجرة على أنها «هجوم منسق» يستهدف الأراضي الإسبانية.
وبعد مرور ثلاثة أسابيع على عبور عشرات الآلاف من الشباب المهاجرين نحو سبتة، رصدت منصة التحقق الإسبانية Maldita.es ما لا يقل عن 37 مادة تضليلية أو مجتزأة، تضمنت مقاطع فيديو التقطت في ولاية شرناق التركية وجنوب إفريقيا، قبل تقديمها على أنها مشاهد من مضيق جبل طارق.
كما جرى تداول مشاهد قديمة من مليلية والناظور على أنها صور من سبتة، إلى جانب صور مولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي تظهر أحذية طافية فوق المياه، فضلاً عن عناوين تلفزيونية صيغت بطريقة مضللة.
وفي السياق ذاته، تتبعت تحقيقات أجرتها مجموعة 411 لمكافحة التضليل، ونشرتها صحيفتا The Guardian وThe Irish Times، جزءاً مهماً من عمليات تضخيم هذه الروايات إلى قنوات تدار من موسكو.
وأظهر تحليل شمل نحو 4.5 ملايين منشور أن عدداً كبيراً من المحتويات المتداولة قدم عمليات العبور باعتبارها «هجوماً منسقاً»، مع توظيف مضامين تتضمن أحياناً خطاباً معادياً للمهاجرين والمسلمين ومعادياً للسامية.
وقد انتشرت هذه المواد بسبع لغات، متجاوزة 720 ألف مشاهدة خلال ست ساعات فقط يوم فاتح غشت، خصوصاً عبر قناة Rybar على تطبيق «تلغرام»، التي تشير التحقيقات إلى ارتباطها بأجهزة الاستخبارات الروسية، وهي خاضعة لعقوبات من الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى شبكة Pravda.
ووصف باحثون هذه العملية بأنها «طريق سريع للمعلومات شديد التنظيم»، معتبرين أنها قد تكون جزءاً من استعدادات لحملات تضليل مستقبلية مرتبطة بأزمات الحدود في منطقة البحر الأبيض المتوسط.
قرار قضائي أشعل الجدل
وتزامنت هذه الحملة مع قرار أصدرته المحكمة العليا الإسبانية في 29 يونيو الماضي، تحت رقم 814/2026، قضى بعدم إمكانية تطبيق الإعادة الفورية على الأشخاص الذين يتم اعتراضهم أثناء السباحة باتجاه سبتة أو مليلية، في ظل غياب حاجز مادي في البحر.
وسرعان ما تحوّل مضمون القرار على مواقع التواصل الاجتماعي إلى ادعاءات تزعم أن الحدود أصبحت «مفتوحة»، في وقت كانت فيه نقابات الحرس المدني والشرطة الإسبانية قد حذرت، خلال شهر يوليوز، من وجود ما وصفته بفراغ قانوني، إلى جانب ارتفاع أعداد الوافدين بحراً، مطالبة السلطات بوضع بروتوكولات واضحة للتعامل مع الوضع.
وأفادت مصادر بوزارة الداخلية الإسبانية بأن حاجزاً عائماً جرى تركيبه خلال 48 ساعة من صدور قرار نشره.
اليمين الإسباني يستثمر الأزمة سياسياً
وعلى المستوى السياسي، استغل عدد من قادة اليمين الإسباني، ولا سيما اليمين المتطرف، التطورات المرتبطة بالهجرة لتوجيه انتقادات حادة إلى الحكومة الإسبانية وإلى المغرب.
ووصف زعيم حزب فوكس، سانتياغو أباسكال، الحكومة الإسبانية بأنها «مافيا خائنة وفاسدة»، متحدثاً عن «غزو» و«عمل حربي تروّج له المغرب»، ومطالباً بعسكرة دائمة للحدود.
بدوره، دعا زعيم الحزب الشعبي، ألبرتو نونيث فيخو، رئيس الحكومة الإسبانية إلى المثول بشكل عاجل أمام البرلمان، وطالب بإعادة الأشخاص الذين دخلوا إلى سبتة.
أما رئيس الحزب الشعبي في سبتة، خوان خيسوس فيفاس، فتحدث أمام البرلمان الأوروبي عن وصول عدد العابرين إلى 80 ألف شخص.
وبالتوازي مع ذلك، تبنت بعض وسائل الإعلام الإسبانية بدورها مصطلحات من قبيل «الهجوم» و«الغزو» في تغطيتها للأحداث، ما ساهم في تعزيز حالة الجدل السياسي والإعلامي المحيطة بالموضوع.
حصيلة الوفيات لا تزال غير محسومة
وفي الجانب الإنساني، لا تزال الحصيلة النهائية للوفيات المرتبطة بعمليات العبور موضع خلاف.
وبحسب وكالة الأنباء الإسبانية EFE، كان معهد الطب الشرعي في سبتة قد تسلم 80 جثة وأجرى 79 عملية تشريح إلى غاية 5 غشت، بينما لم يتم التعرف على هوية سوى ست جثث حتى 20 غشت.
وتبرز هذه المعطيات، في مجملها، حجم التعقيد الذي رافق أزمة العبور إلى سبتة، بين مأساة إنسانية حقيقية، وتجاذبات سياسية داخل إسبانيا، وحملات تضليل رقمية ساهمت في إعادة تشكيل صورة الأحداث وتوجيهها نحو روايات تخدم أجندات سياسية مختلفة.
تحقيقات تكشف حملة تضليل واسعة تستهدف المغرب عقب أزمة الهجرة في سبتة














