تتجه أنظار المصالح المكلفة بمكافحة غسل الأموال نحو أنشطة مالية مرتبطة بثلاث قاعات للقمار بمراكش وأكادير، بعدما كشفت إشعارات بالاشتباه عن تحركات مالية غير اعتيادية يُعتقد أنها ارتبطت بأرباح محققة من لعبة “البوكر”. ودفعت هذه المعطيات الهيئة الوطنية للمعلومات المالية إلى فتح أبحاث لتفكيك المسارات المالية لأشخاص مغاربة وأجانب، والتحقق مما إذا كانت منظومة القمار قد استُغلت لإضفاء مظهر مشروع على أموال مجهولة المصدر.
ووفق مصادر جيدة الاطلاع، شرعت المصالح المختصة في الهيئة الوطنية للمعلومات المالية في أبحاث موسعة لتحديد هوية الأشخاص المعنيين، والكشف عن طبيعة أنشطتهم ومصادر أموالهم، بالتوازي مع تتبع المسارات المالية المرتبطة بأرباح حققوها داخل القاعات الثلاث قبل رصد تحركاتهم من طرف أجهزة المراقبة.
وتشمل التحريات تدقيقا في تفاصيل عدد من المعاملات المنجزة لفائدة أشخاص أثارت حركتهم المالية انتباه المصالح المختصة، مع إجراء مقارنات بين قيمة الأرباح المصرح بها داخل الكازينوهات والنتائج الفعلية المسجلة في أنظمة ألعاب القمار.
وتسعى هذه العملية إلى تحديد ما إذا كانت العائدات المصرح بها تعكس أرباحا حقيقية، أم أنها استُخدمت كغطاء لإدخال أموال أخرى مجهولة المصدر إلى الدورة المالية وإضفاء مشروعية ظاهرية عليها، قبل إعادة توظيفها أو تحويلها إلى حسابات بنكية.
كما امتدت الأبحاث إلى طبيعة العمليات المنجزة داخل قاعات القمار الثلاث، ومدى مطابقة الأرباح المسجلة للمعاملات الفعلية التي رافقت جولات اللعب. ويتركز جانب من التحريات على فرضية استغلال منظومة “البوكر” لإدخال أموال مشبوهة وإخراجها لاحقا في شكل أرباح يفترض أنها ناتجة عن نشاط قمار عادي.
وفي هذا السياق، يجري فحص عدد من العمليات المرتبطة بجولات “البوكر”، وسط شبهات حول احتمال التلاعب بنتائج بعض الألعاب أو استغلال ثغرات تقنية في الأنظمة المعلوماتية المعتمدة داخل القاعات.
وتشمل التحريات كذلك التدقيق في طبيعة التدخلات التقنية التي رافقت بعض العمليات، والتحقق من وجود صلات بين المستفيدين من الأرباح وأشخاص يتوفرون على معرفة تقنية بالأنظمة المعلوماتية المستخدمة في إدارة ألعاب القمار وتسجيل نتائجها.
ولم تقتصر الأبحاث على المعطيات المتوفرة لدى الهيئة الوطنية للمعلومات المالية، إذ جرى الاستناد أيضا إلى معلومات وفرتها مصالح مكتب الصرف ووزارة الداخلية، بهدف توسيع نطاق تقاطع البيانات المتعلقة بالأشخاص موضوع التدقيق.
ويشمل ذلك رصد التحويلات المالية التي أجراها المشتبه فيهم أو استفادوا منها، خاصة العمليات التي اتخذت وجهات خارجية أو ارتبطت بحسابات وأشخاص موجودين في دول أخرى، بما يسمح بتكوين صورة أشمل عن شبكة علاقاتهم المالية.
وأظهرت المعطيات الأولية، بحسب المصادر ذاتها، أن اثنين من الأشخاص الخاضعين للتدقيق سبق أن كانا موضوع مساطر رقابية مالية في إسبانيا وعدد من دول الاتحاد الأوروبي، على خلفية شبهات مرتبطة بأنشطة قمار غير قانونية وعمليات محتملة لغسل الأموال داخل كازينوهات.
ودفع هذا المعطى المصالح المختصة إلى توسيع دائرة التحريات بشأن علاقاتهما المالية داخل المغرب، والتدقيق في طبيعة العمليات التي أنجزاها، فضلا عن البحث في احتمال وجود روابط بين أنشطتهما المحلية وتحركات مالية خارجية.
وتبحث المصالح المختصة أيضا في الوجهة النهائية للأموال محل الاشتباه، وما إذا كانت الأرباح قد أعيد تحويلها إلى حسابات أخرى أو استُعملت في اقتناء عقارات وممتلكات أو تمويل معاملات تجارية، بما قد يكشف مراحل إضافية من مسار الأموال.
ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة في أبحاث غسل الأموال، بالنظر إلى أن تتبع الأموال لا يتوقف عند عملية الإيداع الأولى، وإنما يمتد إلى عمليات إعادة التحويل والاستثمار والاقتناء، بهدف تحديد المستفيد الحقيقي ومصدر الأموال وطريقة إدماجها في الدورة الاقتصادية.
وتسعى الأبحاث الجارية، في نهاية المطاف، إلى تحديد ما إذا كانت قاعات القمار المعنية قد استُغلت فعلا كواجهة لإعادة تدوير أموال مجهولة المصدر، أو أن العمليات محل التدقيق تندرج ضمن معاملات قمار مشروعة لا تشوبها مخالفات.
ولا تزال هذه التحريات في مراحلها الأولية، في انتظار استكمال عمليات التدقيق المالي والتقني وتقاطع المعطيات المتوفرة لدى مختلف الجهات المختصة، قبل تحديد المسؤوليات واتخاذ الإجراءات التي قد تفرضها نتائج الأبحاث.














