إنزكان آيت ملول بين صراعات السياسة وشبهات الفساد.. من يدفع ثمن الحرب الخفية؟

منذ سنوات، يعيش إقليم إنزكان آيت ملول على وقع صراعات سياسية متواصلة وشبهات خروقات طالت عدداً من المنتخبين والمسؤولين المحليين، فيما تلوح في الأفق ملفات أخرى قد تعصف بأسماء جديدة خلال المرحلة المقبلة. هذا الواقع جعل المتتبع للشأن المحلي يطرح سؤالاً جوهرياً: أين يكمن الخلل؟ هل يتعلق الأمر بسوء اختيار الناخبين لمن يمثلهم؟ أم أن هناك جهات خفية تحرك المشهد السياسي من وراء الستار وتتحكم في موازين القوة والصراع داخل الإقليم؟

لقد شهد الإقليم خلال السنوات الأخيرة أحداثاً سياسية متسارعة، انتهى بعضها بإبعاد مسؤولين ومنتخبين عن مواقعهم، فيما ما تزال أطراف أخرى تنتظر ما ستسفر عنه التحقيقات أو التقارير الرقابية. كما أن تداعيات المرحلة السابقة لم تتوقف عند المنتخبين فقط، بل امتدت لتشمل مسؤولين في الإدارة الترابية، ما جعل الحديث عن وجود حرب خفية داخل الإقليم يتردد بقوة في الأوساط السياسية والشعبية. ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة في شتنبر 2026، ازدادت حدة التوتر بشكل ملحوظ؛ فبمجرد إعلان بعض الأحزاب عن مرشحيها وحصول عدد من الأسماء على التزكيات الحزبية، اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي وبدأت حملات متبادلة لا يُعرف على وجه الدقة من يقودها أو يقف وراءها.

وخلال الأسابيع الأخيرة، خرجت إلى العلن ملفات كانت إلى وقت قريب بعيدة عن النقاش العمومي، حيث وُجهت اتهامات لرئيس جماعة آيت ملول تتعلق بمخالفات تعميرية، بينما طالت شبهات أخرى مرشح حزب التجمع الوطني للأحرار للانتخابات التشريعية، وسط تداول واسع لمعطيات تتحدث عن قضايا مرتبطة بالتدبير والفساد. كما خصصت بعض المنابر الإعلامية الوطنية حيزاً مهماً لمتابعة هذه الملفات، الأمر الذي ساهم في توسيع دائرة النقاش والجدل. وأمام هذا المشهد، يجد المواطن نفسه أمام حالة من الضبابية وعدم اليقين؛ فكيف يمكن للناخب أن يحسم اختياره وهو يتابع يومياً اتهامات وشبهات تطال أغلب الأسماء المرشحة لتمثيله؟ وكيف يمكن استعادة الثقة في المؤسسات المنتخبة إذا ظل النقاش السياسي محصوراً في تبادل الاتهامات وتسريب الملفات بدل التنافس حول البرامج والمشاريع التنموية؟

وقد استبشرت فئات واسعة من الساكنة خيراً عندما انتشر إعلان يفيد بأن رئيس جماعة آيت ملول وأحد المرشحين للانتخابات التشريعية يعتزمان عقد ندوة صحفية لتقديم توضيحات للرأي العام بشأن ما يُتداول من اتهامات وشبهات، غير أن هذا الأمل سرعان ما تراجع بعدما راجت أخبار تفيد بأن الإعلان لا أساس له من الصحة، وأن الندوة لن تُعقد. وهنا يبرز سؤال مشروع يطرحه الكثير من المتابعين: لماذا لا يخرج المعنيون بالأمر للدفاع عن أنفسهم وتقديم توضيحات للرأي العام؟ فالمبدأ الديمقراطي يقتضي أن يواجه المسؤول أو المرشح الاتهامات بالحجة والوثيقة والتوضيح، أما الصمت، مهما كانت مبرراته، فإنه يفتح الباب أمام التأويلات ويُضعف الثقة في الخطاب السياسي.

فإذا كانت الاتهامات غير صحيحة، فإن توضيح الحقيقة للرأي العام من شأنه أن يبدد الشكوك ويعيد الثقة للناخبين، أما إذا استمر الصمت، فإن ذلك قد يُفهم من طرف جزء من الرأي العام على أنه عجز عن تقديم الأجوبة اللازمة، وهو ما قد ينعكس سلباً على صورة المعنيين بالأمر. ومع استمرار هذه الحرب الباردة بين مختلف الأطراف السياسية، يبدو أن الأيام المقبلة قد تحمل جولات جديدة من الصراع، خصوصاً مع إعلان الأحزاب الأخرى عن مرشحيها ودخول أسماء جديدة إلى حلبة المنافسة، فالتجارب السابقة توحي بأن كل مرشح قد يجد نفسه بدوره في مواجهة حملات مضادة أو ملفات تخرج إلى العلن مع اقتراب موعد الاقتراع.

لكن الخاسر الأكبر في كل ذلك يظل إقليم إنزكان آيت ملول وساكنته؛ فالمواطن ينتظر حلولاً لمشاكل التشغيل، والبنية التحتية، والخدمات العمومية، والتنمية المحلية، بينما تتحول الساحة السياسية إلى ساحة صراع مفتوح لا يكاد ينتهي.

إن ما يحتاجه الإقليم اليوم ليس مزيداً من الحروب السياسية أو الحملات المتبادلة، بل خطاباً واضحاً ومسؤولاً، ومنافسة تقوم على البرامج والإنجازات، وشفافية تتيح للمواطن أن يختار ممثليه على بينة، لأن استمرار منطق التشهير والاتهامات والصمت المتبادل لن يؤدي إلا إلى تعميق أزمة الثقة وإبعاد المواطنين أكثر عن المشاركة السياسية، وهو ما لا يخدم مصلحة الإقليم ولا مستقبل التنمية فيه.

 

A.Bout

الأخبار ذات الصلة

1 من 911

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *