المجلس الإقليمي للسياحة باشتوكة آيت باها: هيكل بلا روح وإمكانات خارج دائرة الضوء.

تُعد السياحة في جهة سوس ماسة أحد الأعمدة الاستراتيجية للرهان التنموي، غير أن التدقيق في تفاصيل هذا القطاع يكشف عن مفارقة صارخة تتمثل في التفاوت البين بين حركية المركز (المجلس الجهوي) وركود الأطراف (المجالس الإقليمية)، وتحديداً نموذج إقليم اشتوكة آيت باها الذي يجسد أزمة “الفعل الترابي” في أبهى صورها.

فعلى مستوى المركز، يبصم المجلس الجهوي للسياحة بسوس ماسة على حضور لافت يتجاوز الحدود الوطنية؛ إذ ينجح في انتزاع موقع متقدم ضمن الخارطة السياحية الدولية بفضل احترافية التسويق، والمشاركة الوازنة في المعارض الكبرى، وإرساء شراكات متينة مع الفاعلين الجويين والفندقيين. هذا الأداء مكن مدناً كأكادير من التحول إلى وجهة مسوّقة بعناية، تستفيد من نمو مستمر وجاذبية استثمارية واضحة، مستندة إلى رؤية مؤسساتية تتقن لغة الأرقام والترويج الحديث.

وفي المقابل، يبدو المشهد في إقليم اشتوكة آيت باها مناقضاً تماماً؛ حيث يواجه المجلس الإقليمي للسياحة انتقادات حادة بسبب “غيابه المغيب” عن التظاهرات الكبرى، وضعف بصمته الرقمية والمؤسساتية، وانعدام أي رؤية عملية قابلة للتنزيل. والمفارقة هنا تكمن في أن الإقليم يمتلك مادة خاماً تضاهي، بل وتتجاوز في تنوعها، العديد من الوجهات المعروفة، بدءاً من شواطئ سيدي وساي وسيدي الرباط، وصولاً إلى العمق الجبلي وما يختزنه من تراث إيكولوجي وثقافي، ومع ذلك يظل هذا الغنى مجرد “موارد معطلة” تفتقر إلى منتوج سياحي مهيكل وتسويق فعال.

هذا الخلل البنيوي لا يرتبط فقط بالأشخاص، بل بطبيعة هندسة القطاع؛ حيث تفرض مركزية الترويج نفسها كواقع يجعل المجلس الجهوي يحتكر واجهة التسويق، بينما تظل المجالس الإقليمية في موقع ثانوي تائه بين ضعف الموارد المالية والبشرية وغياب آليات التكامل الفعلي. والنتيجة هي كلفة تنموية باهظة تتجلى في تهميش أقاليم واعدة، وضياع فرص شغل حقيقية للشباب، وتكريس فوارق مجالية تجعل التنمية السياحية تتركز في الحواضر الكبرى على حساب المناطق القروية والبيئية.

إن إعادة التوازن إلى هذه المنظومة تفرض تحولاً جذرياً في التعاطي مع الفعل الترابي، يبدأ بتمكين المجلس الإقليمي من صلاحيات تنفيذية واضحة وميزانيات مستقلة قادرة على تمويل مشاريع الترويج المحلي، مع ضرورة الانتقال من منطق التبعية للمركز إلى منطق التكامل الوظيفي. إن الرهان الحقيقي يكمن في تطوير هوية ترابية مستقلة للإقليم (سياحة بيئية وقروية)، والاستثمار في التسويق الرقمي الذي يتجاوز لغة التقارير إلى لغة الإقناع الميداني.

تجربة اشتوكة آيت باها تكشف أن الإشكال ليس في فقر المؤهلات بل في عجز التفعيل. فبين مجلس جهوي “يُحلق” في سماء الترويج ومجلس إقليمي “يراوح مكانه”، يضيع جزء حيوي من إمكانات الجهة. إن الوقت قد حان للانتقال من مرحلة التمثيل المؤسساتي الشكلي إلى مرحلة الفعل والإنجاز، وإلا ستظل السياحة في الإقليم مجرد فرصة مؤجلة وحلم معلق في انتظار إرادة حقيقية تعيد الروح لمؤسساته المعطلة.

الأخبار ذات الصلة

1 من 82

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *