حين تصبح الصحافة عبئًا لا رسالة

ليست كل لحظات الندم وليدة قرار خاطئ، فبعضها نتيجة صدمة مع واقع لم يكن كما تخيلناه. هكذا يجد كثير من الصحافيين أنفسهم، بعد سنوات من الجري خلف مهنة اعتقدوا أنها رسالة، أمام إحساس ثقيل بالخيبة والإنهاك، لا بسبب قلة الاجتهاد، بل بسبب بيئة لا تكافئ الجدية ولا تحمي النزاهة.
في واقعٍ يفرض منطقه الخاص، يبدو أن الطلب لم يعد على الصحافة التي تُنير وتُساءل، بل على ما هو سطحي، صاخب، ومُبتذل. صحافة “الضجيج” صارت عملة رائجة، بينما تراجعت قيمة التحليل، والتحقيق، والنقد المسؤول. من يرفض الانخراط في هذا المسار، يجد نفسه معزولًا، مُستنزفًا نفسيًا، ومحاصرًا بالضغط والقلق.
الأخطر في هذا المشهد ليس فقط تهميش الصحافة الجادة، بل تطبيع ممارسات شوهت المهنة: التشهير بدل النقد، السب بدل الحجة، “البوز” بدل المعلومة، والابتزاز بدل الاستقصاء. ومع هذا الانحدار، يُدفع الصحافي النزيه إلى خيارين أحلاهما مرّ: إما التكيف مع الرداءة، أو الانسحاب حفاظًا على ما تبقى من قناعة وكرامة.
ورغم هذا الإحباط، يظل الإصرار على الاستمرار – ولو بأشكال أقل كلفة – دليلاً على أن الفكرة لم تمت. فبقاء منابر تحاول، ولو في هامش ضيق، تقديم قراءة نقدية للأحداث، هو اعتراف ضمني بأن الحاجة إلى صحافة مختلفة ما تزال قائمة، حتى إن لم تكن مرغوبة على نطاق واسع.
محاولة تقديم نموذج صحافي نظيف لم تكن وهمًا، بل اصطدمت بواقع أقوى منها. واقع يفضل السمسرة على الاستقلالية، والضجيج على المضمون. ومع ذلك، فإن الانسحاب من عباءة مُنهِكة لا يعني التخلي عن النقد أو الصمت، بل قد يكون شكلاً من أشكال المقاومة الهادئة، واستعادة للذات قبل أن تبتلعها مهنة أُفرغت من معناها.
الصحافة ليست ما آلت إليه اليوم، بل ما يجب أن تكونه. والسؤال الحقيقي لم يعد: لماذا ينسحب البعض؟
بل: لماذا صار البقاء شاقًا إلى هذا الحد؟

الأخبار ذات الصلة

1 من 960

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *