سوس ماسة.. اختلالات تدبيرية تُسائل حكامة الصفقات والمالية الترابية بالجهة

تعيش التنمية الترابية بجهة سوس ماسة على وقع علامات استفهام كبرى تضع أداء المؤسسة الجهوية على محك الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، عقب كشف النقاب عن سلسلة من الاختلالات العميقة والنقائص الهيكلية التي شابت مجالات حيوية تتصل مباشرة بالمال العام ومسارات التدبير الإداري والمالي.

وتتقاطع هذه الملاحظات لتكشف عن فجوة ملموسة بين الشعارات المنادية بتكريس النجاعة وبين الواقع الميداني المشوب بتجاوزات صفقاتية وتراجع في مؤشرات المديونية وضعف في ضبط الوعاء الجبائي الجهوي.

وفي تفاصيل ملف الصفقات العمومية والطلبيات الترابية، تظهر صورة قاتمة لأساليب الإبرام والإسناد التي ضربت في أحيان عدة قواعد المنافسة الشريفة وشفافية المساطر. إذ يسجل المراقبون شائبة التضخيم والمبالغة في التقديرات المرفوقة بدراسات وإعداد البرامج التنموية دون الاستناد إلى معايير موضوعية؛ حيث رُصدت كلف مالية باهظة كلف بها المترشحون لإعداد مخططات الجهة ومواكبة تنزيلها، رغم توفر الأطر الإدارية والتقنية للمجلس على مؤهلات كافية كان بإمكانها تجنيب المالية الترابية الملايين من الدراهم المهدورة.

ولم تقف حدود الاختلال عند حدود الدراسات والتخطيط، بل تعدتها إلى ممارسات الإقصاء غير المبرر لمتنافسين استناداً إلى الشروط التفصيلية لنظم الاستشارة الخارقة لمرسوم الصفقات العمومية، وتمرير صفقات تفاوضية وسندات طلب دون استيفاء الترخيص الصريح أو المبررات الاستعجالية القاهرة القائمة، علاوة على إبرام سندات طلب بأسعار مرتفعة تلامس سقف المبلغ الأقصى المسموح به واستصدار بعضها لمع معطيات منافية للواقع كما جرى في مجالات الإيواء الفندقي والأسفار، وتأخرات طبعت تبليغ المصادقات وتأدية المستحقات المترتبة عن الكشوفات المالية.

وعلى صعيد البنية التحتية والأشغال الكبرى المنجزة عبر المصالح ذاتها أو المؤسسات التنفيذية التابعة، تتكشف الاختلالات المادية الميدانية بشكل جلي؛ حيث أبانت معاينات المشاريع الطرقية والروابط القروية والمرافق المنشأة بإقليم تارودانت وتزنيت وعمالتي أكادير إداوتنان وإنزكان أيت ملول عن عيوب في الإنجاز وتدهور سريع للمقاطع المنجزة حديثاً، وتشققات بالمنشآت الفنية، وتراجع جودة الخرسانة المعتمدة، وسوء تثبيت المنحدرات الجانبية لحماية قارعة الطريق، وتغير مواصفات السياجات الوقائية، فضلاً عن غياب تتبع دقيق وصارم للحسابات والتقارير الدورية التي تضمن التثبت قبل صرف الاعتمادات.

أما على المستوى المالي ومؤشرات المديونية، فتتزايد المحاذير حول استدامة التوازنات المالية للجهة بقدرة تحمُّل باتت قاب قوسين أو أدنى من الخطر، إثر الارتفاع الصاروخي المتزايد لصافي أصل الدين الذي تجاوز خط المليار درهم بزيادات قاربت الثلث في أفق زمني قصير، مرفوقاً بظاهرة التهام فوائد وخدمة الدين لحصة كبرى من نفقات التسيير والحد من قدرة المجلس على التمويل الذاتي، متوازياً ذلك مع عجز في مواكبة المشاريع المقتضبة بالقروض وتسجيل تعثرات زامنت الإفراج عن دفعاتها بالآجال المضبوطة.

ويزداد المشهد المالي تعقيداً بالنظر إلى التقاعس البين في ضبط الوعاء الجبائي وتحصيل المداخيل الذاتية؛ حيث أبان نمط التدبير عن تساهل غير مبرر في تحيين قاعدة البيانات الخاصة بالملزمين بأداء الرسم على استغلال المناجم ورسم الخدمات المينائية بمركب أكادير، مما فوت على مالية الجهة مبالغ طائلة يهددها التقادم بفعل عدم إشعار الملزمين وتفعيل مسطرة الفرض التلقائي للرسم في حق المتقاعسين. يضاف إلى ذلك القصور الحاصل في تفعيل آليات الرقابة والافتحاص بشأن الدعم الممنوح للجمعيات والمؤسسات المشرفة على برامج التشغيل والابتكار، واستمرار تغييب مساطر طلبات العروض المفتوحة وضمان تكافؤ الفرص في توزيع الدعم العمومي.

إن هذه المؤشرات المتقاطعة تضع القائمين على الشأن الجهوي بسوس ماسة أمام مسؤولية تاريخية لمراجعة أساليب الحكامة وإعمال آليات الرقابة والشفافية وتجاوز الثغرات التدبيرية المسجلة، صوناً للمال العام وضماناً لتنفيذ المشاريع التنموية بالجودة والنجاعة المطلوبة.

يتبع

الأخبار ذات الصلة

1 من 948

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *