تعثر وثائق التعمير بأيت ملول: سؤال الكفاءة واستمرارية المرفق العمومي

كيف استطاعت جماعة ماسة إخراج تصميم التهيئة واستكمال وثائق إعادة الهيكلة، بينما لا يزال الملف عالقاً بأيت ملول؟ سؤال يضع تدبير قطاع التعمير ومسؤولية تتبع المشاريع أمام اختبار حقيقي.

 

مع كامل الأسف، تكشف قضية تعثر وثائق إعادة هيكلة عدد من المناطق بجماعة أيت ملول عن مفارقة تستحق الوقوف عندها ملياً؛ مفارقة تختزل الفرق بين ما يمكن أن تحققه الكفاءات حين تجد الظروف المناسبة للعمل، وما قد ينتهي إليه المشروع حين تتعثر آليات التدبير والمتابعة وضمان استمرارية الأوراش.

فالقصة، وفق المعطيات المتداولة بشأن هذا الملف، بدأت من تجربة جماعة أيت ملول مع موظف تقني الذي ساهم في إخراج مشروع تصميم التهيئة إلى حيز الوجود، وهو ورش حظي بالدعم والمتابعة بالنظر إلى أهميته في تنظيم المجال الحضري وتأطير التوسع العمراني. وكان المنتظر أن يشكل هذا التقدم مدخلاً لمواصلة العمل واستكمال وثائق إعادة هيكلة بعض المناطق، بما يتيح معالجة إشكالات التعمير وتيسير المساطر أمام المواطنين.

غير أن الموظف انتقل لاحقاً إلى جماعة ماسة بإقليم اشتوكة ايت باها، لتبرز بعد ذلك مفارقة لافتة: الجماعة التي لم يكن مشروع تصميم التهيئة قد أُخرج بها بعد، تمكنت، بحسب المعطيات المتوفرة، من التقدم في هذا الورش واستكمال وثائق إعادة الهيكلة، في حين لا تزال أيت ملول تواجه تعثرات في استكمال الوثائق المرتبطة بهذا الملف، وسط تساؤلات حول مسار تدبيرها بين سندات الطلب ومكاتب المصالح المعنية بالتعمير.

إن المقارنة بين الجماعتين لا تستهدف التقليل من مجهودات أي طرف، ولا تختزل نجاح مشروع معقد في شخص موظف واحد، لكنها تطرح سؤالاً جوهرياً حول كيفية تدبير الكفاءات وتوفير شروط العمل وضمان استمرارية المشاريع، بصرف النظر عن انتقال الموظفين أو تغير المسؤوليات. فإذا كانت جماعة ماسة قد استطاعت إحراز تقدم في إعداد وثائق التعمير وإعادة الهيكلة، فإن من حق ساكنة أيت ملول أن تتساءل عن أسباب استمرار التعثر في ملف لا تقل أهميته بالنسبة إليها، خصوصاً أن المدينة تواجه تحديات عمرانية تتطلب حلولاً عملية، وتدبيراً يربط التخطيط بالتنفيذ، ويحول الوثائق الإدارية إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.

ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد وثائق تنتظر التأشير أو ملفات تتداولها المكاتب، بل بمسار له انعكاسات مباشرة على المواطنين، وعلى تسوية الوضعيات العمرانية، وعلى وضوح الرؤية بشأن مستقبل الأحياء والمناطق المعنية. وكلما طال أمد التعثر، ازدادت الحاجة إلى تقديم توضيحات دقيقة بشأن المراحل التي قطعها الملف، والأسباب التي حالت دون استكماله، والآجال المحددة لإخراجه إلى حيز التنفيذ.

من السهل إرجاع تعثر أي مشروع إلى غياب موظف أو انتقال كفاءة من مرفق إلى آخر، لكن التدبير الجماعي المسؤول يفترض أن تكون المشاريع مبنية على منظومة عمل مؤسساتية، لا على مجهودات فردية يصعب تعويضها عند انتقال أصحابها. وهنا تبرز مسؤولية رئاسة المجلس الجماعي في تتبع الأوراش، وتعبئة الموارد البشرية والتقنية، وتحديد الأولويات، ومراقبة تقدم الملفات، وضمان التنسيق بين المصالح الإدارية والتقنية والجهات المتدخلة. فنجاح أي مشروع لا يقاس فقط بقرار إطلاقه أو الإعلان عنه، وإنما بمدى القدرة على استكمال مراحله داخل آجال معقولة، ومعالجة الصعوبات التي تعترضه.

وتزداد أهمية هذا النقاش بالنظر إلى أن قطاع التعمير، وفق المعطيات المقدمة بشأن توزيع الاختصاصات داخل مجلس جماعة أيت ملول، لم يُفوَّض إلى نائب آخر، ما يجعل مساءلة رئاسة المجلس عن تتبع هذا الملف وتدبيره أمراً مشروعاً، دون أن يعني ذلك الجزم بأن مسؤولية التعثر تقع على طرف بعينه قبل الكشف عن المعطيات الإدارية والتقنية الكاملة. فالمطلوب ليس إطلاق أحكام مسبقة، بل تقديم أجوبة واضحة: أين وصلت وثائق إعادة الهيكلة؟ ما الذي أُنجز منها وما الذي لا يزال عالقاً؟ ما طبيعة الصعوبات التي تواجه استكمالها؟ وما التدابير المتخذة لتجاوزها؟ ثم ما الجدول الزمني الذي يمكن أن تلتزم به الجماعة أمام الساكنة؟

إن الدرس الذي تطرحه هذه القضية يتجاوز المقارنة بين أيت ملول وماسة، ليصل إلى جوهر الحكامة المحلية: الكفاءة البشرية عنصر أساسي، لكن حسن تدبيرها وتحويل جهودها إلى عمل مؤسساتي مستمر هو ما يصنع الفارق. فقد تنجح جماعة في تسريع مشروع بفضل التنسيق بين مسؤوليها وأطرها، بينما تتعثر جماعة أخرى في ملف مماثل بسبب اختلالات في التنظيم أو المتابعة أو ترتيب الأولويات. غير أن تحديد السبب الفعلي في حالة أيت ملول يظل رهيناً بالاطلاع على وثائق الملف، ومسار سندات الطلب، ومراحل الإنجاز، وتوضيحات المصالح الجماعية المعنية.

ومن ثم، فإن المطلوب من المجلس الجماعي ليس الاكتفاء بتبرير التأخر أو انتظار حلول خارجية، بل إجراء تقييم واضح لمسار الملف، وتحديد مكامن التعثر، واتخاذ ما يلزم لاستكمال الوثائق في أقرب الآجال الممكنة، مع إطلاع الرأي العام على حقيقة الوضع ومراحل المعالجة.

لا تستحق ساكنة أيت ملول أن تظل ملفاتها العمرانية رهينة الانتظار، كما لا يكفي أن تُعلن الجماعة عن مشاريع أو تطلق أوراشاً دون أن تظهر نتائجها في حياة المواطنين. فالساكنة تنتظر تدبيراً يضمن استمرارية العمل، ويعالج الإشكالات المتراكمة، ويضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار. وإذا كانت تجربة ماسة قد أظهرت إمكانية إحراز تقدم في هذا الورش، فإن المقارنة تفرض نفسها وتستدعي توضيحاً مؤسساتياً من جماعة أيت ملول، لا سيما بشأن أسباب تأخر استكمال وثائق إعادة الهيكلة، ومدى تقدم الإجراءات المرتبطة بها، والمسؤوليات الإدارية والتقنية المتصلة بهذا المسار.

إن المساءلة السياسية لا تعني إصدار أحكام جاهزة، وإنما تعني مطالبة المسؤولين بتقديم الحصيلة وتفسير التعثر والالتزام بالحلول. ومن هذا المنطلق، فإن رئيس مجلس جماعة أيت ملول مطالب بتوضيح وضعية الملف للرأي العام، والكشف عن الإجراءات التي تعتزم الجماعة اتخاذها لتجاوز التأخر. فحين تتقدم جماعة في ورش تعجز جماعة أخرى عن استكماله، يصبح السؤال عن أسباب هذا التفاوت مشروعاً، وتصبح الإجابة عنه جزءاً من مسؤولية التدبير العمومي. أما ساكنة أيت ملول، فمن حقها أن ترى مشاريعها تنتقل من رفوف المكاتب إلى واقع ملموس، وأن تقاس نجاعة التدبير بما يتحقق على الأرض، لا بما يقال في التصريحات والوعود.

الأخبار ذات الصلة

1 من 948

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *