الحكومة بين امتحان توافق الأغلبية وتحدي الوفاء بأوراش المغرب ورهان مونديال 2030

يفرض إعلان أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية تشكيل الأغلبية الحكومية المقبلة، بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري، الانتقال إلى مرحلة صياغة برنامج حكومي يعكس التوافق بين مكونات هذه الأغلبية، بدل الاكتفاء بتجميع الوعود الانتخابية لحزب واحد أو اعتماد برنامج الأصالة والمعاصرة باعتباره المرجعية الوحيدة للمرحلة المقبلة.

ويطرح هذا الاستحقاق سؤال مدى قدرة الأحزاب الأربعة على تحويل تقاربها السياسي إلى التزامات مشتركة، تحدد أولويات العمل الحكومي وتوازن بين اختلافاتها بشأن الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والخيارات المالية.

ولا يتعلق الأمر بمجرد التوفيق بين البرامج الانتخابية، بل يستدعي أيضا استحضار الأوراش التي أطلقتها الدولة والمشاكل التي ما تزال عالقة وتنتظر قرارات حكومية واضحة.

ويأتي في مقدمة هذه الملفات مواصلة إصلاح المنظومة الصحية والتعليمية، وتوفير فرص الشغل، وتحسين القدرة الشرائية للأسر، وتفعيل الحماية الاجتماعية، إلى جانب معالجة الاختلالات المرتبطة بالاستثمار وتنافسية الاقتصاد. كما تبرز تحديات الماء والأمن الطاقي والسيادة الغذائية باعتبارها قضايا تتجاوز الوعود الانتخابية الظرفية، وتحتاج إلى سياسات عمومية مستدامة وموارد مالية محددة وآليات دقيقة لتقييم النتائج.

ويضع هذا السياق الحكومة المقبلة أمام ضرورة تحديد ما ستواصل تنفيذه من البرامج القائمة، وما ستعيد تقييمه أو تعديله، مع تفادي خلق تناقض بين الالتزامات الجديدة والأوراش التي قطعت الدولة فيها أشواطا مهمة. كما يتطلب البرنامج المرتقب ترتيب الملفات وفق درجة استعجالها وأثرها المباشر على المواطنين، وتحديد آجال التنفيذ والمسؤوليات ومصادر التمويل، حتى لا تتحول التزامات الأحزاب إلى وعود عامة يصعب قياس مدى تحققها. ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة في ظل اختلاف تصورات مكونات الأغلبية بشأن إصلاح الضريبة على الدخل، ورفع الدعم الاجتماعي، وتحفيز التشغيل، وتمويل النفقات العمومية.

ويشكل تنظيم كأس العالم لكرة القدم سنة 2030، بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، أحد أبرز المحددات التي يتعين أن تحضر في البرنامج الحكومي، بالنظر إلى حجم الاستثمارات المرتبطة بتطوير البنيات التحتية والنقل والمطارات والملاعب والإيواء والخدمات الحضرية.

ولا يقتصر هذا الرهان على الوفاء بالالتزامات التنظيمية، بل يشمل ضمان أن تترك الاستعدادات لهذا الموعد الدولي أثرا اقتصاديا وتنمويا مستداما، من خلال تحسين جودة الخدمات، وتوسيع فرص الشغل، وتقوية جاذبية الاستثمار، وتطوير البنيات الأساسية بما يخدم حاجيات المواطنين بعد انتهاء البطولة. كما يفرض التنسيق مع الشريكين الإيبيريين تدبيرا محكما للجوانب التنظيمية واللوجستية العابرة للحدود.

ويستدعي هذا الرهان بدوره تحقيق التوازن بين الإنفاق المرتبط بالمونديال وتمويل القطاعات الاجتماعية والأوراش ذات الأولوية، حتى لا يؤدي تسريع المشاريع الكبرى إلى تهميش المناطق التي ما تزال تواجه خصاصا في التجهيزات والخدمات الأساسية.

ومن ثم، فإن البرنامج الحكومي يحتاج إلى تصور يربط الاستثمارات الرياضية والبنية التحتية بأهداف التنمية المجالية وتقليص الفوارق، مع توضيح الكلفة والجدولة الزمنية ومؤشرات قياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي. كما يتعين أن يحدد كيفية إشراك القطاع الخاص والجماعات الترابية في إنجاز المشاريع، وضمان استمرارية الاستفادة منها بعد سنة 2030.

وبين اختلاف البرامج الانتخابية وتراكم الأوراش المفتوحة والاستعداد للاستحقاق الكروي العالمي، سيكون التحدي أمام حكومة المنصوري هو صياغة برنامج يعبر عن اتفاق سياسي فعلي بين أحزاب الأغلبية، وليس مجرد إعادة تقديم برنامج أحد مكوناتها.

ويقتضي ذلك حسم الخلافات بشأن الإصلاح الضريبي والدعم الاجتماعي والتشغيل والتمويل، وتحديد الالتزامات التي تحظى بإجماع الشركاء، مع ترتيب الأولويات وفق حاجيات البلاد وقدرتها المالية.

وإلى حين الإعلان عن البرنامج المشترك، تبقى كيفية التوفيق بين الوعود الانتخابية ومتطلبات الاستمرارية الحكومية ورهانات مونديال 2030 من أبرز الاختبارات التي ستحدد ملامح المرحلة المقبلة.

الأخبار ذات الصلة

1 من 414

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *