تكشف زيارة وفد بريطاني رفيع المستوى إلى مركز مصالحة بالرباط عن الأهمية المتزايدة التي أصبحت تحظى بها التجربة المغربية في مجال الوقاية من التطرف العنيف ومكافحة الإرهاب، ليس فقط على المستوى الإقليمي، وإنما أيضا لدى شركاء أوروبيين من حجم المملكة المتحدة.
فالاهتمام البريطاني بهذه التجربة يأتي في سياق أمني معقد، أصبحت فيه الدول تبحث عن مقاربات تتجاوز التدخل الأمني المباشر نحو الوقاية المبكرة، وإعادة التأهيل، ومواجهة الأفكار المتطرفة قبل تحولها إلى سلوك عنيف.
وتبرز أهمية مركز مصالحة في هذا السياق باعتباره أحد مكونات المقاربة المغربية التي تقوم على التعامل مع التطرف باعتباره ظاهرة متعددة الأبعاد، لا يمكن اختزال مواجهتها في الاعتقال والعقوبة.
فالبرامج المرتبطة بإعادة التأهيل الفكري والسلوكي وإعادة الإدماج تسعى إلى معالجة الخلفيات الفكرية والسلوكية للتطرف داخل المؤسسات السجنية، بما يسمح بتحويل السجن من فضاء للعقوبة فقط إلى مجال لإعادة بناء السلوك والاستعداد للاندماج في المجتمع.
ويكتسي برنامج تدبير ومواكبة العائدين من بؤر التوتر أهمية خاصة، بالنظر إلى أن عودة الأشخاص الذين التحقوا سابقا بمناطق النزاع شكلت خلال السنوات الماضية واحداً من أكثر الملفات حساسية بالنسبة للأجهزة الأمنية الأوروبية.
راكم المغرب من خلال تطوير آليات للتقييم والمواكبة وإعادة الإدماج تجربة يمكن أن توفر لشركائه نماذج عملية للتعامل مع هذه الفئة، خاصة أن المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي لضمان عدم عودة الأفكار المتطرفة إلى التداول داخل المجتمع.
وفي المقابل، فإن تقديم الجانب البريطاني لعروض حول الاتصالات الاستراتيجية ومواجهة السرديات المتطرفة يكشف أن التعاون بين الرباط ولندن لا يسير في اتجاه واحد، وإنما يقوم على تبادل الخبرات.
فالمعركة ضد التطرف انتقلت بشكل متزايد إلى الفضاء الرقمي والإعلامي، حيث أصبحت الجماعات المتطرفة تعتمد على خطاب أكثر مرونة وقدرة على الوصول إلى الشباب واستغلال الأزمات الاجتماعية والسياسية. وبالتالي، فإن مواجهة هذه السرديات تتطلب إنتاج خطاب مضاد أكثر إقناعاً، إلى جانب تفكيك آليات التجنيد والتأثير التي تستعملها التنظيمات المتطرفة.
كما أن حضور مسؤولين عن إدارة السجون وإعادة الإدماج ومؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء إلى جانب مركز مصالحة يعكس طبيعة المقاربة المغربية متعددة المؤسسات، والتي تربط بين الجانب الديني والفكري والتأهيل النفسي والسلوكي والإدماج الاجتماعي.
وهذه النقطة تحديدا تمنح التجربة المغربية خصوصيتها، لأنها لا تعتمد على مؤسسة واحدة في مواجهة التطرف، بل تقوم على تنسيق أدوار عدة مؤسسات بهدف معالجة الظاهرة من مراحلها الفكرية إلى مرحلة ما بعد الإفراج وإعادة الاندماج.
ومن المنتظر أن تكتسب الزيارة بعدا عمليا أكبر من خلال الزيارة الميدانية المرتقبة لمؤسسة سجنية، بما يسمح للوفد البريطاني بالاطلاع مباشرة على كيفية تنزيل هذه البرامج على أرض الواقع.
وبذلك، فإن الزيارة لا تبدو مجرد لقاء بروتوكولي أو تبادل للمواقف، بل تعكس توجها نحو بناء تعاون أمني وفكري أكثر عمقا بين المغرب وبريطانيا، في وقت أصبحت فيه الوقاية من التطرف وإعادة تأهيل المتورطين في قضايا الإرهاب ومواجهة الدعاية المتطرفة جزءا أساسيا من منظومة الأمن الدولي، وهو ما يعزز موقع المغرب كشريك ذي خبرة عملية في هذا المجال.












