عندما تنجح الدولة وتفشل الأحزاب: كأس إفريقيا يكشف أزمة الفعل السياسي

يشهد المشهد المغربي في الآونة الأخيرة حالةً واضحة من الاحتقان السياسي والاجتماعي، تتغذى من تراجع منسوب الثقة في الفعل الحزبي، وتصاعد الانتقادات الموجهة إلى حكومة عزيز أخنوش، التي بات يُنظر إليها، في قطاعات واسعة من الرأي العام، كحكومة عاجزة عن الاستجابة لانتظارات اجتماعية متراكمة، وعن تقديم حلول ملموسة لأزمات الغلاء، والبطالة، واتساع الفوارق الاجتماعية. هذا الإحباط العام أعاد إلى الواجهة سؤال الجدوى السياسية، وجدّد النقاش حول معنى المشاركة الانتخابية ودور الأحزاب في تأطير المواطنين وصناعة القرار.

في مقابل هذا المناخ المشحون، برز مشهد مغاير تمامًا، حمل جرعة قوية من الفخر الوطني، تمثل في النجاح الباهر الذي حققته الدولة المغربية في تنظيم كأس إفريقيا لكرة القدم، إلى جانب التألق اللافت للمنتخب الوطني. لقد أبان المغرب، مرة أخرى، عن قدرة مؤسساته على الإنجاز، وعن كفاءة عالية في التنظيم، والتأمين، والتدبير اللوجستي، بما أعاد الاعتبار لهيبة الدولة ونجاعة إدارتها، ورسّخ صورة إيجابية للمملكة على المستويين القاري والدولي.

غير أن المفارقة اللافتة في هذا النجاح، تكمن في الغياب شبه التام للفاعل الحزبي والسياسي عنه. فالإنجاز لم يكن ثمرة برامج حكومية أو مبادرات حزبية، بقدر ما كان نتاج عمل مؤسساتي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، مدعومة بالمؤسسة الأمنية، والإدارة الترابية، ومختلف المصالح التقنية للدولة. هذا الواقع عمّق الإحساس بأن الأحزاب السياسية الحالية باتت خارج الزمن، وغير قادرة على مواكبة الدينامية الوطنية، أو المساهمة في لحظات الإجماع والإنجاز الكبرى.

ومن هنا، تصاعدت الانتقادات الموجهة إلى الطبقة السياسية، التي يُنظر إليها على أنها تُعيد إنتاج نخب محدودة الكفاءة، أو مرتبطة بلوبيات اقتصادية وريعية، ما أفقد العمل السياسي بعده النبيل، وحوّله، في نظر كثيرين، إلى آلية لتدبير المصالح الخاصة بدل خدمة الصالح العام. في هذا السياق، لم يعد فشل الحكومة يُقرأ فقط كإخفاق في السياسات العمومية، بل كعرضٍ لأزمة أعمق تمس بنية الحقل الحزبي برمته.

وسط هذا الفراغ الرمزي والسياسي، طُرح اسم فوزي لقجع بقوة في النقاش العمومي، ليس من باب الشعبوية أو التقديس، بل باعتباره نموذجًا لمسؤول عمومي راكم تجربة ناجحة في الإدارة والتسيير، وحظي بثقة ملكية واضحة، واستطاع أن يحوّل كرة القدم من مجرد لعبة شعبية إلى أداة استراتيجية لتعزيز صورة المغرب دوليًا، وتقوية حضوره الإفريقي، وربط الرياضة بالدبلوماسية والاقتصاد والتنمية الترابية. هذا المسار جعل كثيرين يرون فيه تجسيدًا لنمط جديد من القيادة: قيادة تقوم على النتائج، والنجاعة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

إن لحظة التلاحم الوطني التي أفرزها تنظيم كأس إفريقيا وتألق “أسود الأطلس” تتجاوز البعد الرياضي، لتطرح سؤالًا سياسيًا بامتياز: هل يمكن استثمار هذا المزاج الوطني الإيجابي لبناء نموذج جديد للمغرب؟ نموذج يقوم على تجديد النخب، وتغليب منطق الكفاءة على الولاءات الحزبية الضيقة، وبناء توافق وطني واسع حول أولويات اقتصادية واجتماعية واضحة؟

يبدو أن المغرب يقف اليوم أمام مفترق طرق. فإما الاستمرار في تدوير نفس النخب الحزبية التي استنزفت رصيد الثقة، أو التقاط هذه اللحظة التاريخية لإعادة الاعتبار للفعل العمومي، والالتفاف حول المؤسسات، وفتح أفق سياسي جديد قادر على مواجهة التحديات المقبلة. وفي ظل عجز الأحزاب الحالية عن تقديم بديل مقنع، يبقى الرهان الحقيقي هو تحويل نجاح الدولة في الميدان الرياضي والتنظيمي إلى مدخل لإصلاح سياسي عميق، يعيد السياسة إلى معناها النبيل، ويصالح المواطن مع الشأن العام.

 

A.Bout

الأخبار ذات الصلة

1 من 973

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *